محمد متولي الشعراوي

3207

تفسير الشعراوى

ولكن القول : « من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبهم ويحبونه » يدل على أن إجراء سيحدث قبل أن تقوم القيامة . ومن ذا الذي يستطيع أن يتصور أن إلها ينزل قرآنا يتحدى به ثم يأتي في القرآن بقضية ما زالت في الغيب ويجازف بها ، إن لم تكن ستقع ؟ . والحق يقول : « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » و « سوف » تخبرنا بموقف قادم سيأتي من بعد ذلك . ونقول هنا : من الذي يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان ؟ . لا أحد يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان إلا اللّه سبحانه وتعالى ، فهو الذي يتحكم ويحكم ويخبرنا بأنه سوف يأتي أناس يؤمنون بدلا من المرتدين . أما إن ارتد أناس ، وانتظروا أن يروا البديل لهم ، ولم يأت فماذا يكون الأمر ؟ لا بد أن تنصرف الناس عن الدين . ولم يكن الحق ليجازف ويجرى على لسان محمد بأن قوما سيرتدون وهو لا يعلم أيأتي قوم مرتدون ؟ والعلم جاء في هذه الآية كما جاء في كل القرآن من اللّه جل وعلا . وقد قالها الحق قضية كونية : « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » . وهل هناك قوم يحبهم اللّه وهم لا يحبونه ؟ ونقول : إن هذا لا يحدث مع اللّه ، وإن كان يحدث في الحياة البشرية مثلما قال الشاعر العربي : أنت الحبيب ولكني أعوذ به * من أن أكون محبّا غير محبوب وشقاء المحبين إنما يأتي من أن العاشق يحب أحدا ، وهذا الحبيب لا يبادله الحب ؛ لذلك يظل العاشق باكيا طوال عمره . ولنا أن نلحظ أن حب اللّه هو السابق في هذا القول الكريم : « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » ؛ لأن هذه هي صفة الانكشاف للعلم ، لقد علم الحق أنهم سيتجهون إليه فأحبهم ، وعندما جاءوا فعلوا ما جعلهم محبوبين للّه ، ثم ما هو الحب ؟ . إنه ودادة القلب . وقلنا الكثير من قبل في أمر ودادة القلب . ونعرف أن هناك لونا من الحب يتحكم فيه العقل . ولونا آخر من الحب لا يتحكم فيه العقل ولكن تتحكم فيه العاطفة . ومثال هذا عندما نذهب إلى طبيب ويصف لنا دواء مرا غير مستساغ الطعم ، ونجد الإنسان الموصوف له الدواء يذهب إلى الصيدلية للسؤال عن الدواء ، فإن لم